صديق الحسيني القنوجي البخاري

145

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومظاهرتهما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين ، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق اللّه وخاتم رسله ، فإن ذلك لا يغني عنهما من اللّه شيئا ، وقد عصمهما اللّه سبحانه عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة . وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ هي آسية بنت مزاحم قيل : إنها إسرائيلية وإنها عمة موسى ، وقيل : إنها ابنة عم فرعون » ، وإنها من العمالقة ، وكانت ذات فراسة صادقة آمنت بموسى عليه السلام فعذّبها فرعون بالأوتاد الأربعة ، والكلام في هذا كالكلام في المثل الذي قبله ، أي جعل اللّه حال امرأة فرعون مثلا لحال المؤمنين ترغيبا لهم في الثبات على الطاعة ، والتمسك بالدين ، والصبر في الشدة ، وأن وصلة الكفر لا تضرهم ، كما لم تضر امرأة فرعون ، وقد كانت تحت أكفر الكافرين ، وصارت بإيمانها باللّه في جنات النعيم ، وفيه دليل على أن وصلة الكفرة لا تضر مع الإيمان . إِذْ ظرف لمثلا أو لضرب قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ حال من ضمير المتكلم أو من بَيْتاً لتقدمه عليه وقوله : فِي الْجَنَّةِ بدل أو عطف بيان لقوله : عندك ، أو متعلق بقوله : ابن ، وقدم عندك هنا للإشارة إلى قولهم : الجار قبل الدار ، ومعناه بيتا قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين منك ، أو في مكان لا يتصرف فيه إلا بإذنك وهو الجنة . وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ أي من ذاته الخبيثة وشركه ، وما يصدر عنه من أعمال الشر ، وقال ابن عباس : عمله يعني جماعة ، وعن سلمان قال : كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس ، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة ، وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد ، وأضجعها ، وجعل على صدرها رحى ، واستقبل بها عين الشمس ، فرفعت رأسها إلى السماء فقالت : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ إلى قوله : وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ففرج اللّه لها عن بيتها في الجنة فرأته ، وقبض اللّه روحها ، قال الكلبي هم أهل مصر ، وقال مقاتل : هم القبط ، قال الحسن وابن كيسان : نجاها اللّه أكرم نجاة ، ورفعها إلى الجنة ، فهي تأكل وتشرب ، وفيه دليل على أن الاستعاذة باللّه والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين ، وديدن المؤمنين بيوم الدين . وَ ضرب اللّه مثلا للذين آمنوا مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ أي حالها وصفتها فمثل حال المؤمنين بامرأتين ، كما مثل حال الكفار بامرأتين ، وقيل : التقدير اذكر مريم والمقصود من ذكرها أن اللّه سبحانه جمع لها بين كرامتي الدنيا والآخرة ، واصطفاها